ابن كثير

161

البداية والنهاية

وغربا ودخل الجزيرة وبلاد الروم والعراق وخراسان وما وراء النهر والهند واليمن والحجاز وبغداد ، ومدح أكثر أهل هذه البلاد ، وحصل أموالا جزيلة ، وكان ظريفا شاعرا مطيقا مشهورا ، حسن الأخلاق جميل المعاشرة ، وقد رجع إلى بلده دمشق فكان بها حتى مات هذه السنة في قول ابن الساعي ، وأما السبط وغيره فأرخوا وفاته في سنة ثلاث وثلاثين ، وقد قيل إنه مات في سنة إحدى وثلاثين والله أعلم . والمشهور أن أصله من حوران مدينة زرع ، وكانت إقامته بدمشق في الجزيرة قبلي الجامع ، وكان هجاء له قدرة على ذلك ، وصنف كتابا سماه مقراض الاعراض ، مشتمل على نحو من خمسمائة بيت ، قل من سلم من الدماشقة من شره ، ولا الملك صلاح الدين ولا أخوه العادل ، وقد كان يزن بترك الصلاة المكتوبة فالله أعلم . وقد نفاه الملك الناصر صلاح الدين إلى الهند فامتدح ملوكها وحصل أموالا جزيلة ، وصار إلى اليمن فيقال إنه وزر لبعض ملوكها ، ثم عاد في أيام العادل إلى دمشق ولما ملك المعظم استوزره فأساء السيرة واستقال هو من تلقاء نفسه فعزله ، وكان قد كتب إلى الدماشقة من بلاد الهند : فعلام أبعدتم أخا ثقة * لم يقترف ذنبا ولا سرقا ؟ أنفوا المؤذن من بلادكم * إن كان ينفى كل من صدقا ومما هجا به الملك الناصر صلاح الدين رحمه الله تعالى : سلطاننا أعرج وكاتبه * ذو عمش ووزيره أحدب والدولعي الخطيب معتكف * وهو على قشر بيضة يثب ولابن باقا وعظ يغش به الناس * وعبد اللطيف محتسب وصاحب الامر خلقه شرس * وعارض الجيش داؤه عجب وقال في السلطان الملك العادل سيف الدين رحمه الله تعالى وعفا عنه : إن سلطاننا الذي نرتجيه * واسع المال ضيق الانفاق هو سيف كما يقال ولكن * قاطع للرسوم والأرزاق وقد حضر مرة مجلس الفخر الرازي بخراسان وهو على المنبر يعظ الناس ، فجاءت حمامة خلفها جارح فألقت نفسها على الفخر الرازي كالمستجيرة به ، فأنشأ ابن عنين يقول : جاءت سليمان الزمان حمامة ( 1 ) * والموت يلمع من جناحي خاطف فرم لواه الجوع حتى ظله * بإزائه [ يجري ] ( 2 ) بقلب واجف

--> ( 1 ) في ابن خلكان 4 / 251 : بشكوها بدل حمامة . ( 2 ) من ابن خلكان .